Flag Counter

Flag Counter

Tuesday, November 21, 2023

Gods of Money

فريدريك وليام انجدال باحث إقتصادي وصحفي ومؤرخ أمريكي من مواليد ولاية مينيسوتا يقيم بشكل رئيسي في ألمانيا و يهتم بالكتابة في مجال النفط  وعالم المال والأعمال. الكتاب الذي بين أيدينا اليوم ليس كتابا عاديا يتحدث عن الاقتصاد أو التمويل من وجهة نظر تاريخية, بل هو كتاب يروي قصة التحالف الغير معلن بين القوة العسكرية الأمريكية, وول ستريت والنخب السياسية في واشنطن العاصمة في سبيل إنشاء أكبر إمبراطورية منذ سقوط الإمبراطورية البريطانية رسميا عقب نهاية الحرب العالمية الثانية.

يبدأ كتاب آلهة المال في مقدمته بسرد كيف كان رجال البنوك والمال يؤمنون أنهم يقومون بعمل الرب وتنفيذ الإرادة الإلهية. وكيف قامت دول أوروبية وعلى رأسها بريطانيا بالتخطيط لجعل المال أداة سياسية للتحكم والسيطرة على القوى العاملة عبر التحكم بالأجور. تشارلز ليندبرغ الأب, عضو الكونجرس الأمريكي عن ولاية مينيسوتا, قام سنة ١٩١٣ بفضح ذلك المخطط في كتابه "Banking and Currency and the Money Trust" حيث تمكنت النخب المالية والسياسية من تمرير مشروع قانون إنشاء بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ليلة الكريسماس ١٩١٣ في تصويت سريع حين كان أغلب أعضاء الكونجرس غائبين في إجازة أعياد الميلاد. وفي سنة ١٩١٧, أصدر كتيِّبا بعنوان "Why is Your Country at War" الذي تحدث فيه عن الدور الذي لعبه أباطرة المال في وول ستريت في سبيل توريط الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى. 

إن تاريخ الولايات المتحدة مع البنوك المركزية الخاصة يعود الى سنة ١٧٩١ حين تقدم أليكسندر هاميلتون, أول وزير خزانة في الولايات المتحدة, باقتراح إنشاء مصرف الولايات المتحدة وفق نموذج البنك المركزي في العاصمة البريطانية, لندن. ولكن إقتراح هاميلتون فشل في أن ينال ثقة المشرعين في الكونجرس حيث تصدى له بنجامين فرانكلين, عضو الكونجرس وأحد الآباء المؤسسين الذي كان يدرك الخطر الذي تمثله المصارف المركزية الخاصة على اقتصاد الولايات المتحدة. ولكن فرانكلين توفي خلال نفس السنة, ١٧٩١, ونجح على إثرها هاميلتون في الحصول على مصادقة الكونجرس الأمريكي على مشروعه حيث تملك الحكومة الأمريكية ٢٠% من أسهم البنك بينما يملك مستثمرون أغلبهم من بريطانيا ٨٠% من أسهم البنك وعلى رأسهم المصرفي ناثان روتشيلد. توماس جيفرسون, أحد الآباء المؤسسين وأحد أهم المساهمين في كتابة إعلان الإستقلال, عارض مشروع هاميلتون حين كان يشغل منصب وزير خارجية الولايات المتحدة ولكن الرئيس جورج واشنطن قام على الرغم من ذلك بالتوقيع بالموافقة بالمخالفة للدستور الأمريكي الذي يجعل عملية إصدار النقود من إختصاص الكونجرس وبدون أن يكون هناك أي بند قانوني يتيح التنازل عن ذلك الحق.

وفي سنة ١٨١١, فشل التصويت على تجديد قانون بنك الولايات المتحدة في مجلسي النواب والشيوخ بفارق صوت واحد في كل منهما. سنة ١٨١٢, أعلن الكونجرس الأمريكي وبطلب من الرئيس جيمس ماديسون الحرب على بريطانيا مما أدى الى إرتفاع الدين القومي بنسبة ٣٠٠% من ٤٥ مليون دولار الى ١٢٧ مليون دولار. وبناء على إقتراح من لوبيات الضغط والنخب المالية, تم الموافقة على قانون بنك الولايات المتحدة الثاني الذي اتخذ من مدينة فيلاديلفيا مقرا له أسوة ببنك الولايات المتحدة الأول, وكانت فترة السماح له بالعمل هي ٢٠ عاما. وعلى الرغم من أن ترخيص بنك الولايات المتحدة الثاني لن ينتهي حتى سنة ١٨٣٦, إلا أن الرئيس الأمريكي أندرو جاكسون متخوفا من سيطرة رأس المال الأجنبي على البنك قد استخدمت حق النقض, الفيتو, من أجل إلغاء ترخيص البنك وأمر بسحب جميع الودائع الحكومية من البنك وإيداعها في بنوك حكومية محلية. رجل الأعمال الثري نيكولاس بيدل الذي كان يرأس البنك خلال الفترة التي أعقبت سنة ١٨٢٢, لم يكن راضيا عن قرار الرئيس الأمريكي وقام بإستخدام صلاحيات البنك في تقليص المعروض النقدي ومطالبة الحكومة الأمريكية بدفع ديونها للبنك بشكل عاجل في محاولة لابتزاز الحكومة الأمريكية. وقد فشلت محاولة بيدل وتمكنت الحكومة الأمريكية بتاريخ ٨/يناير/١٨٣٥ من دفع كامل دينها القومي للبنك بل وتحقيق فائض إيجابي في الموازنة العامة بلغ ٣٥ مليون دولار.

إن محاولات نيكولاس بيدل والنخب المالية والسياسية في الولايات المتحدة لم تتوقف لحظة واحد عن محاولتهم إعادة العمل بقانون بنك الولايات المتحدة حتى نجاحهم سنة ١٩١٣ في تمرير قانون بنك الاحتياطي الفيدرالي الذي تم تصميمه بحيث يضمن استمراره في العمل وسيطرته على العملة الأمريكية والتحكم بكمية النقد بدون أن يتمكن أحد من إيقافه حتى يومنا هذا. بل إن مصير كل من حاول عرقلة مسيرة بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي كان مصيره الفشل خصوصا الرئيس الأمريكي جون كينيدي الذي أصدر الأمر التنفيذي ١١١٠ الذي كان يهدف صراحة الى إنهاء بنك الاحتياطي الفيدرالي وإعادة الحق الحصري بإصدار العملة والتحكم بالنقد الى وزارة الخزانة.

إن ماذكرته هو ملخص لأحد فصول الكتاب الذي يحتوي على الكثير من المعلومات الموثقة تاريخيا والتي سوف تصدم من يقرئها لأول مرَّة بينما قد يقوم البعض بترديد الهراء حول نظرية المؤامرة وأن ما ذكره فريدريك  انجداهل في كتابه يدخل ضمن نظرية المؤامرة. الكتاب ممتاز بكل المعايير والمقاييس وحصل على ٩٠% تقدير خمسة نجوم على موقع أمازون الأمريكي وتقدير ٨٦% خمسة نجوم على موقع أمازون الكندي حيث يمكن الحصول على نسخة إلكترونية أو مطبوعة من الكتاب.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


Monday, November 20, 2023

Dead Aid

دامبيسا مويو هي مواطنة من دولة زامبيا في إفريقيا تحمل درجة الدكتوراه في الإقتصاد ومختصة في الإقتصاد الكلي والشؤون الدولية. لها عدد من المؤلفات في مجال الإقتصاد منها كتاب "المساعدات الميتة: لماذا لا تعمل المساعدات وكيف توجد طريقة أفضل لأفريقيا(Dead Aid: Why Aid Is Not Working and How There Is a Better Way for Africa)" الذي تحدثت فيه الكاتبة عن مشكلة المساعدات الغربية التي يتم تقديمها الى دول إفريقية وقارنت بينها وبين الإدمان على المخدرات. الكتاب نجح في الحصول على دعاية إيجابية من عدد من الصحف الدولية منها وول ستريت جورنال, الديلي ميل, الإندبندنت والواشنطن تايمز وشخصيات أكاديمية مثل الدكتور أبورفاه شاه من جامعة ستانفورد العريقة والمؤرخ والكاتب البريطاني نيل فيرجسون.

إن مشاكل القارة الأفريقية الاقتصادية يناقشها أشخاص مثل نجم الروك بونو والمصرفي جيفري ساكس وليس أكاديميون ومواطنون من القارة الأفريقية التي تعاني من الحروب الأهلية، الفقر، المجاعة، الأمراض والفساد من بين عدد من المشاكل التي تعاني منها القارة السمراء وتمثل تحديا من أجل تحقيق نمو اقتصادي مستدام. دامبيسا مويو (Dambisa Moyo) مواطنة من دول زامبيا في أفريقيا غادرت بلادها الى الولايات المتحدة قبل أن تنهي المرحلة الجامعية الأولى في تخصص الكيمياء وذلك إثر أحداث الفوضى التي تلت محاولة الانقلاب ضد الرئيس كينيث كاوندا. وفي الولايات المتحدة أكملت دراستها الجامعية وعملت مع البنك الدولي في العاصمة الأمريكية واشنطن لفترة سنتين ثم أكملت دراستها الجامعية في مجال الاقتصاد حيث نالت درجة الماجستير من جامعة هارفارد العريقة والدكتوراه من جامعة أوكسفورد في المملكة المتحدة.

أحد التحديات التي تواجهها القارة السمراء من وجهة نظر الكاتبة هو الإدمان على المساعدات والهبات من دول غربية ومن منظمات غير حكومية ومتبرعين. خلال الفترة من ١٩٦٠-٢٠١٠ تلقت دول القارة الأفريقية تريليون دولار على شكل هبات ومساعدات وقروض بفوائد مخفَّضة. وخلال الفترة ١٩٧٠-٢٠١٠ بلغت قيمة المساعدات المخصصة للتطوير والتنمية التي تلقتها دول القارة السمراء ٣٠٠ مليار دولار. وقد بلغ النمو في الدول الأفريقية التي تلقت أكبر نسبة من المساعدات خلال الثلاثين سنة السابقة(١٩٨٠-٢٠١٠) نسبة (-٠,٢%). الفترة التي شهدت أكبر تدفق للمساعدات (١٩٧٠-١٩٩٨)، ازدادت نسبة الفقر من ١١% الى ٦٦%. دامبيسا مويو عقدت مقارنة بين عدد من الدول مثل كوريا الجنوبية ودول في القارة الإفريقية حيث رفضت الأولى بداية سنة ١٩٦٠ المساعدات الدولية بينما قبلتها دول إفريقية والنتيجة كانت معروفة, معدل دخل الفرد في دول إفريقية كان قبل 30 سنة أعلى من معدل دخل الفرد في دول مثل الصين. بينما هناك دول إفريقية مثل بوتسوانا رفضت المساعدات الدولية وتفوقت على جيرانها في معدل الناتج الإجمالي المحلي ودخل الفرد.

الفساد هو أحد أكبر المشاكل التي تعاني منها القارة الأفريقية حيث يتم سرقة أموال المساعدات بانتظام وإيداعها في حسابات في بنوك خارجية. رئيس زائير السابق موبوتو سيسيكو اختلس خلال فترة حكمه التي دامت أكثر من ٣٠ عاما مبلغ ٥ مليارات دولار من المساعدات المقدمة الى بلاده وهي مبالغ كافية لتسديد جميع ديون زائير الخارجية. كما أنه بعد اجتماع دولي مع الدول المانحة حيث طالب بتخفيض في فوائد القروض على بلاده، أرسل ابنته في طائرة خاصة من أجل إقامة حفل زفافها الباذخ في دولة ساحل العاج. من بين ١٠ مليارات دولار تم تقديمها سنة ٢٠٠٣ الى دول القارة الأفريقية، ابتلع الفساد المستشري ٥ مليارات تم تحويلها الى حسابات خارجية.

الكاتبة قدَّمت أربعة اقتراحات للنهوض بالواقع الاقتصادي لدول القارة الأفريقية بدون الآثار السلبية التي تترتب عن نظام المساعدات الذي فشل في تحقيق أي تقدم إيجابي اقتصادي، اجتماعي أو سياسي.  الاقتراح الأول هو اللجوء الى أسواق المال الدولية للاقتراض بأسعار فائدة منخفضة أو إصدار سندات دين. الاقتراح الثاني هو زيادة، الاستثمارات في البنى التحتية مثل الطرقات، الجسور، المطارات، المستشفيات والمنشآت الخدمية. الاقتراح الثالث هو بذل المزيد من الجهود من أجل معاملة عادلة في اتفاقيات التجارة الحرة للمزارعين في الدول الأفريقية وإلغاء الدعم الذي تقدمه دول مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان الى المزارعين المحليين بما يخالف صميم عمل تلك الاتفاقيات ويحرم المزارعين في دول أفريقية من القدرة على المنافسة. الاقتراح الرابع هو تشجيع مؤسسات الوساطة المالية التي تقدم القروض للفقراء مثل بنك غرامين(بنك الفقراء) الذي أسسه في بنغلاديش البروفيسور محمد يونس وتفرعت عنه مؤسسات عديدة مشابهة بدأت في العمل في عدة دول في أفريقيا، آسيا وأمريكا اللاتينية.

هذا الكتاب تم كتابته من مواطنة أفريقية وهو موجه الى مواطني إفريقيا ومن أجلهم. كما أن موجه الى صانعي القرار السياسي والمواطنين في الدول الغربية على حد سواء ممن لديهم أمل في تحسين الأوضاع في القارة الأفريقية. ورغم أنني لا أتفق مع المؤلفة في جميع وجهات النظر التي قدمتها في كتابها، إلا أن الكتاب في المجمل يعتبر أحد أفضل الكتب التي قرأتها حول أفريقيا والمشاكل التي تعاني منها القارة السمراء. الكاتب والمؤلف البريطاني المختص في مجال السياسة والتاريخ نيل فيرجسون قدَّم للكتاب وامتدح مؤلفته. أنصح بشراء الكتاب وقرائته ومناقشة الأفكار الواردة فيه لأنها لا تنطبق حصريا على دول القارة الأفريقية بل على جميع الدول التي تعتمد على المساعدات والإعانات والهبات والقروض في جزء كبير من موازنتها العامة خصوصا في الوطن العربي.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية





Thursday, November 16, 2023

Farmageddon

تحولت صناعة الأغذية في عصر العولمة الى صناعة تمثلها رؤوس الأموال العابرة للقارات حيث إختفى نموذج المزارع التقليدية وتحول إلى نموذج المزارع الصناعية(Industrial Farming) التي تعتمد أساليب الإنتاج المكثف. الأمر أشبه ما يكون بثورة زراعية, طرق الزراعة التقليدية يتم استبدالها لتحلِّ مكانها أساليب الزراعة الحديثة والمعاصرة حيث الآلات الزراعية التي تختصر الوقت والتكلفة. ولكن أي عملية تطور لا يمكن أن تتم بدون أضرار جانبية يختلف تأثيرها باختلاف ظروف الزمان والمكان, كتاب فارماغيدون(Farmageddon) هو صرخة استغاثة ودعوة لتغيير ممارساتنا الحالية في إنتاج طعامنا والعودة لأساليب الزراعة المستدامة التي تحافظ على مستوى الإنتاج الزراعي مع مراعاة البيئة التي نعيش فيها والتي علينا أن نحافظ عليها من أجل مستقبل الأجيال القادمة. المؤلفان, فيليب روميري, رئيس منظمة (Compassion in World Farming) وإيزابيل أوكيشوت ,صحفية بريطانية, قاما بتأليف كتاب فارماغيدون(Farmageddon) الذي أثار ضجة واسعة في أوساط الناشطين البيئيين وخبراء الصحة العامة بحديثه عما يدور خلف الأبواب المغلقة لشركات صناعة الأغذية التي تضع الربح وليس صحة المستهلك في سلم أولوياتها.

إن المجاعة ليست كارثة طبيعية بل هي من صنع الإنسان. إن تحدي قوانين الطبيعة قد أدى الى الكوارث البيئية, إنتشار الأوبئة والمجاعات. كميات هائلة من الأغذية خصوصا الحبوب يتم إتلافها للحفاظ على مستوى سعري محدَّد بدلا من التبرع بها لإطعام فقراء يتضورون جوعا. الإستخدام المكثف المضادات الحيوية والهرمونات من أجل سرعة نمو الحيوانات وحمايتها من الأوبئة أدى الى ظهور جراثيم مقاومة لأقوى المضادات الحيوية. مساحات شاسعة من الأراضي يتم إستخدامها في سبيل إنتاج الذرة وفول الصويا لإطعام قطعان الماشية وحيوانات المزارع أو إنتاج الوقود الحيوي(إيثانول-٨٥). المزارع الصناعية تساهم في تلويث البيئة من خلال مخلفات الحيوانات التي لا يتم التخلص منها بطريقة سليمة وآمنة وغاز الميثان الذي تفرزه قطعان الماشية حيث يعتبر من الغازات التي تساهم في ظاهرة الإحتباس الحراري. الإستخدام المفرط للمبيدات الحشرية قد أدى الى القضاء على الحياة الطبيعية في مناطق مثل وادي كاليفورنيا حيث يتم استئجار خدمات مربي النحل من ولايات أمريكية أو من بلدان مثل أستراليا حيث تشحن خلايا النحل جوا. حتى الأسماك التي يتم صيدها من المحيطات يتم إستخدامها علف للماشية بدلا من إطعام سكان كوكب الأرض.

هناك عدد من الدول التي تسمح بتجاوز الكثير من قوانين حماية ورعاية الحيوانات من قبل شركات إنتاج الأغذية بذريعة أن حيوانات المزارع لا يتم تصنيفها على أن حيوانات أليفة وبالتالي ليس لديها نفس الحقوق. تلك الممارسات يتم السماح بها بفضل أساليب دعاية مزيفة ومضللة خصوصا أن تلك النوعية من الممارسات هي نتيجة حتمية نتيجة زيادة عدد سكان الكرة الأرضية والحاجة الى إطعامهم. موارد الكرة الأرضية تتعرض لإسائة الاستخدام والدعاية بأنها ليست كافية هي دعاية تحوي مغالطات متعمدة هدفها الترويج الكاذب وتضليل المشاهدين. الإتحاد الأوروبي يقوم بتقديم دعم سنوي يبلغ حوالي ٥٠ مليار يورو من أموال الضرائب للمزارعين تحت مسمى (CAP - Common agricultural policy). وفي الولايات المتحدة, يتكلف الدعم المقدم للمزارعين أكثر من ٣٠ مليار دولار سنويا يتم تخصيص أغلبها للشركات الزراعية العملاقة خصوصا تلك المسؤولة عن إنتاج محاصيل حيوية مثل الذرة وفول الصويا. إن الدعم المقدم من الإتحاد الأوروبي للمزارعين المحليين قد ادى الى أضرار كبيرة لمزارعي الدول الفقيرة والنامية. إن إتفاقيات التجارة الحرة تمنع تقديم الدول الدعم للمزارعين المحليين ولكن دولا أوروبية مثل هولندا تخالف تلك الشروط وتقوم بتقديم الدعم لشركات زراعية محلية مما يجعلها قادرة على منافسة المزارعين الصغار في دول أفريقية وآسيوية.

إن الآثار البيئية السلبية لأساليب الزراعة المكثفة أكثر من أن تعدَّ أو تحصى. إستخدام الأسماك البرية لإطعام أنواع الأسماك آكلة اللحوم مثل السالمون عبر تحويلها الى مسحوق سمك قد أدى إلى استنزاف الثروة السمكية المخصصة لإطعام البشر والى تناقص في أعداد الطيور البحرية التي تعتمد على تلك الأسماك مصدرا رئيسيا للغذاء. الأسماك الهاربة من مزارع الأسماك الصناعية تختلط مع الأنواع البرية حيث تتكاثر وتنتج أنواعا من الأسماك تحمل صفات جينية غير مرغوبة أو تنقل أمراضا وبائية تؤدي لنفوق أعداد كبيرة من الأسماك البرية. أعداد طيور الأشجار في المملكة المتحدة انخفضت بنسبة ٩٧%, الحجل الرمادي بنسبة ٩٠%, حمائم السلاحف بنسبة ٨٩%, حيث أن ذلك مجرد أمثلة بسيطة من قائمة مطولة من الآثار الكارثية لتجاهل الإنسان قوانين البيئة وتحدي الطبيعية بشكل يومي ومستمر.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


Does Jesus Exist?

البروفيسور بارت إيرمان رئيس قسم الدراسات الدينية في جامعة كارولينا الشمالية تشابل هيل يعتبر أحد أكثر المختصين خبرة في دراسات المسيحية والعهد الجديد ومؤلف عدد كبير من الكتب منها كتاب "هل المسيح موجود؟" حيث حققت كتبه أعلى نسبة مبيعات. ولكن الكتاب الذي أقدمه للسادة القراء اليوم يختلف عن باقي كتب البروفيسور إيرمان حيث أنه لقي قبولا لدى المسيحيين المحافظين لأنه يدافع عن وجود يسوع المسيح في مواجهة من يزعمون أنه شخصية وهمية ولا أساس تاريخي لها. البروفيسور بارت إيرمان ناقد معروف مختص في تاريخ المسيحية والعهد الجديد كما أنه خبير في اللغات القديمة التي كتبت بها مخطوطات الكتاب المقدس منها اليونانية, الآرامية والقبطية مما يجعله قادرا على قرائة تلك المخطوطات بلغاتها الأصلية والمقارنة بينها.

وفي الحقيقة, إن أقرب كتاب باللغة العربية وجدته يعارض ويناقض وجهة نظر بارت إيرمان حول وجود المسيح هو "المساومة الكبرى" من تأليف الدكتورة زينب عبد العزيز, أستاذة الحضارة والأدب الفرنسي في جامعة القاهرة. وقد وجدت أنه من المفيد أن أذكر بعض أهم النقاط التي أوردتها الدكتورة في كتابها في معرض المقارنة بين وجهتي نظر مختلفتين وذلك لمزيد من الفائدة للقارئ.

فيلون السكندري(٢٠ق.م-٥٠م) هو فيلسوف ومثقف ولد أيام هيرودس الأكبر, أي أنه كان معاصرا ليسوع المسيح ولديه معرفة واسعة عن كل ما يتعلق باليهود, بالإضافة الى كتابته ٥٧ مؤلفا. أحد مؤلفاته "عصر بيلاطس" الذي كان واليا رومانيا على مقاطعة يهودا, ولكن فيلون لم يذكر شيئا عن يسوع المسيح في كتبه. ولكن كل ذلك ليس دليلا قويا على عدم وجود يسوع المسيح. فيلون ولد وعاش في مدينة الإسكندرية حيث لم تنتشر أخبار المسيحية والمسيحيين هناك حتى وقت متأخر على وفاته. 

المؤرخ اليهودي فلافيوس جوزيف(٣٨م-١٠٠م) عاش في مقاطعة يهودا واشترك في حروب اليهود ضد الرومان لينقلب على قومه في وقت لاحق ويحصل على الجنسية الرومانية. كما أنه مؤلف عدد من الكتب منها "حرب اليهود ضد الرومان" من سبعة مجلدات و "التاريخ القديم لليهود" من عشرين مجلدا. في كتاب "الآثار اليهودية," هناك فقرة واحدة من بضعة أسطر تتحدث عن يسوع المسيح ولكنها مشكك في مصداقيتها وأنها أضيفت الى الكتاب من قبل نساخ مسيحيين في مرحلة زمنية لاحقة. البروفيسور إيرمان يناقش أيضا تلك الإشكالية المثارة حول مصداقية النص في كتاب "هل المسيح موجود؟" ويذكر أن الفقرة وإن تعرضت للتحريف, فإنها تقدم دليلا تاريخيا على وجود يسوع المسيح وأن المزاعم بأنه تمت إضافتها بأكملها من قبل بعض النساخ المسيحيين هي مزاعم باطلة.

بليني الأصغر(٦١م-١١٣م) محامي وأديب وموظف حكومي روماني كتب مجموعة من الرسائل كان أحدها عبارة عن رسالة  للإمبراطور الروماني تراجان عندما كان يتولى منصب حاكم إحدى المقاطعات في آسيا الصغرى. في تلك الرسالة التي كتبت سنة ١١٢م, يأتي بيني على ذكر المسيح ثلاث مرات, مرَّة عندما تحدث عن المسيحيين الذين يغنون ترنيمة للمسيح كما لو كان إلها, ومرتين عند حديثه عن المشتبه بأنهم مسيحيون وهم يلعنون المسيح كجزء من إرتدادهم وتوبتهم.

المؤرخ الروماني سويتونيوس(٦٩م-١٤٠م) كتب سيرة إثني عشرة إمبراطورا رومانيا لم يأتي على ذكر المسيح في أي من مؤلفاته. إلا أنه في كتابته عن سيرة حياة الإمبراطور الروماني كلوديوس(١٠م-٥٤م), ذكر أنه طرد اليهود من روما لأنه كانوا يثيرون القلاقل بقيادة المحرِّض كريستوس, إسم شائع في اللغة اليونانية ويعني الطيِّب أو الأفضل وليس له علاقة بكلمة المسيح التي تعني الممسوح بالزيت. كما أنه تحدث عن طرد اليهود وليس المسيحيين. البروفيسور إيرمان لا يعترض في كتابه "هل المسيح موجود على ما كتبه المؤرخ سويتونيوس لكنه يجادل أن ذلك يأتي في سياق الأحداث التاريخية حيث أن المؤمنين برسالة المسيح خلال تلك الفترة المبكرة من تاريخ المسيحية هم من اليهود الذين أثاروا الاضطرابات والشغب في روما كما جاء في سفر أعمال الرسل(١٨). وأن الخلط بين إسم المسيح باللغة اللاتينية(Christus) وإسم كريستوس(Chrestus) هو مجرد خطأ في كتابة الأسماء وهو شائع في تلك الفترة.

رغم أنه هناك فارق زمني بيد صدور الكتابين, كتاب "المساومة الكبرى" وكتاب "هل المسيح موجود" تقريبا ٦ سنين ورغم عدم معرفة الكاتبين ببعضهما البعض, إلا أن البروفيسور إيرمان يمتلك المصداقية العلمية بسبب تخصصه في نقد المخطوطات وتاريخ المسيحية التي تجعل وجهة نظره أكثر قبولا من الناحية الأكاديمية. وأنا وإن حاولت الإختصار قدر الإمكان, إلا أنني أنصح أي شخص يرغب في الإطلاع على كتاب "هل المسيح موجود" أن يقرأ قبلها كتاب "المساومة الكبرى" حتى يفهم وجهتي نظر متناقضتين متعارضتين فيزداد علما ومعرفة.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية

















Crystallizing Public Opinion

يعتبر الأمريكي من أصل نمساوي إدوارد بيرنيز رائد علم العلاقات العامة و أول من أرسى قواعده وفق أسس شاملة واستخدم مصطلح مندوب العلاقات العامة(Public Relation Officer) مسمى وظيفي لمهنة محددة واضحة القواعد والأسس. استفاد إدوارد بيرنيز من كتابات عالم النفس الشهير سيجموند فرويد الذي يمت له بصلة قرابة, شقيق والدة بيرنيز, وذلك في مجال علم النفس. كما أنه استفاد من كتابات عالم الإجتماع الفرنسي الشهير غوستاف لوبون خصوصا كتاب "سيكولوجية الجماهير." وقد تميز إدوارد بيرنيز بأنه نجح نجاحا باهرا في تطبيق الاكتشافات التي توصل إليها في مجالي علم النفس والإجتماع في ميدان الحقل العام. 

من أشهر زبائن إدوارد بيرنيز حكومات دول وأفراد وشركات عالمية مثل حكومة الولايات المتحدة, شركة التبغ الأمريكية وشركة جنرال إلكتريك من بين عدد كبير من الزبائن ممن استفادوا من خدمات بيرنيز الذي كان يتقاضى ألف دولار في الساعة نظير تقديم خدماته الاستشارية لزبائنه. كما أن كتاب بلورة الرأي العام(Crystallizing Public Opinion) قد أدى الى لفت انتباه وزير دعاية ألمانيا النازية جوزيف غوبلز حيث كان أحد الكتب المفضلة لديه.

 أحد أهم إنجازات بيرنيز كان المعضلة التي كانت تواجهها شركات التبغ والمتعلقة بتدخين النساء في الأماكن العامة الذي كان يعتبر من المحرمات الإجتماعية والقانونية حيث كان يلقى القبض على من تقوم بذلك. شركات التبغ التي كانت لها المصلحة في إلغاء ذلك الحظر بما يساهم في إرتفاع نسبة مبيعاتها استعانت بخدمات بيرنيز الذي أرسل عدد من العارضات ضمن مسيرات تطالب بحقوق المرأة في مدينة نيويورك, ومن ثم أخبر الصحافة أنه هناك مجموعة من النساء في مسيرة للمطالبة بحقوق المرأة سوف يقمن بإيقاد شعلات الحرية, وبناء على إشارة من بيرنيز قامت الفتيات وبشكل إستعراضي بإشعال سجائر لاكي سترايك(Lucky Strike). إن ما قام به بيرنيز هو أنه أوجد صورة نمطية ربطت بين سجائر لاكي سترايك(Lucky Strike) وحرية المرأة مما أدى الى ما يشبه الصدمة لدى الرأي العام الأمريكي حيث كتبت "مجموعة من الفتيات نفثن السجائر في سبيل الحرية."

 كما قام إدوارد بيرنيز بالعمل لصالح شركات الأغذية التي لها مصلحة في زيادة مبيعاتها خصوصا من لحم الخنزير, فقد كتب عن طريق طبيبه الخاص لخمسة آلاف طبيب لإبداء رأيهم في الإفطار الصحي للشعب الأمريكي وتلقى ٤٥٠٠ ردا إيجابيا بأن الإفطار الدسم هو أفضل صحيا للشعب الأمريكي. ومن ثم قام بيرنيز بنشر ذلك عبر الصحف ومختلف وسائل الإعلام الأمريكية مع عناوين مثيرة مثل " ٤٥٠٠ طبيب ينصحون بأهمية الإفطار الدسم," بما أدى الى زيادة مبيعات اللحم المقدد والبيض.

أحد المسائل التي تناولها بيرنيز في كتابه هي المتعلقة بالإشاعات التي قد تؤدي الى إغلاق المصالح التجارية أو إنخفاض مستوى أعمالها بما يهددها بالإفلاس. أحد الأمثلة التي تناولها بيرنيز هي لفندق شهير في مدينة نيويورك بدأ بخسارة زبائنه بمعدل متسارع بما يهدد بإغلاق الفندق وذلك بسبب إشاعة بأن الفندق سوف يتم هدمه وإقامة متجر للبيع بالتجزئة مكانه. مسؤول العلاقات العامة الذي استعان الفندق بخدماته أدرك أن مجرد إنكار الإشاعة لن يؤدي الغرض بإقناع زبائن الفندق بعد صحتها وأن الحل يكمن في إرسال إشارات إيجابية بأن الفندق مستمر في خدمة زبائنه وأنه لن يغلق أبوابه. ولذلك, فقد اقترح مجموعة من الإجراءات منها الإعلان عن تجديد عقد مدير الفندق الذي كان مشهورا شهرة الفندق نفسه والذي منح عقدا مدته خمسة سنوات وراتب مرتفع, والإعلان عن استضافة عدد من البرامج والحفلات والمؤتمرات ودعوة عدد من أبرز الشخصيات إليها.

هناك الكثير مما يمكن أن يقال عن إدوارد بيرنيز وكتاب بلورة الرأي العام(Crystallizing Public Opinion) حيث لن يكفي موضوع مختصر يهدف للتعريف بالكتاب ومؤلفه للحديث عن التفاصيل التي وردت في الكتاب والتي يهم كل قارئ حتى لو يكن متخصصا في ذلك المجال أن يضطلع عليها. وبعد مضي كل تلك السنين, تبين صحة نظريات إدوارد بيرنيز حول أهمية الدعاية والتسويق في بناء علاقة ايجابية بين المصالح التجارية والصناعية و العامَّة بما يعود بالمنفعة على الشركات في إرتفاع نسبة مبيعاتها وزيادة أرباحها. ولعل تأثير ذلك يتضح في زيادة نسبة السياحة الداخلية في الولايات المتحدة بعد أن كانت دول مثل فرنسا وسويسرا هي الوجهة المفضلة للسياح الأمريكيين. وكذلك زيادة نسبة السياح القادمين من دول أوروبية وآسيوية بفضل الدعاية الإيجابية للمميزات التي تتمتع بها المدن الأمريكية المختلفة خصوصا المعالم السياحية و الأثرية والأماكن التاريخية والشواطئ ومنتجعات التزلج ورحلات التخييم في الجبال وسط المناظر الخلابة والطبيعة الساحرة.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

النهاية


Sunday, November 12, 2023

الرأسمالية...الوغد الوسيم في بعض مستجدات العصر

وليد الرجيب هو روائي وكاتب كويتي نشر مجموعة من الروايات والقصص منها رواية بدرية التي نالت شهرة واسعة منذ سنة ١٩٨٩ حيث تحدث عنها عدد من النقاد العرب. درس وليد الرجيب في جامعة القاهرة وحصل منها على بكالوريوس خدمة إجتماعية سنة ١٩٨٧. عمل وليد الرجيب استشاريا نفسيا واجتماعيا في مدارس الكويت واستاذا دوليا بالتنويم وممثل الجمعية الأمريكية للمنومين وعضو البورد فيها بالإضافة الى عمله استشاريا نفسيا واجتماعيا. وقد نشر كتابين عن فن وعلم التنويم والعلاج بالطاقة الكونية(ريكي). حصل وليد الرجيب على جائزتين في الأدب, الأولى من مؤسسة التقدم العلمي في الكويت سنة ١٩٩٤ والثانية هي جائزة الدولة التشجيعية من المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت سنة ١٩٩٧. يعمل مؤلف الكتاب مستشارا سلسلة "إبداعات عالمية" التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت.

يتناول وليد الرجيب في كتابه المكون من ٢٦١ صفحة من القطع العادي مجموعة كبيرة من العناوين حول الرأسمالية وطبيعة التطور الرأسمالي على المستوى الدولي. إن أبرز المواضيع التي ضمَّنها وليد الرجيب في كتابه هي: علاقة الرأسمالية بالتطور التكنولوجي، تأثير التطور الرأسمالي التكنولوجي في بنية الطبقة العاملة، العولمة “الأممية الرأسمالية”، الثورات العربي بداية تاريخ عربي جديد ومواضيع أخرى. وليد الرجيب واضح وصريح مع نفسه ومع القراء. فقد تناول سقوط الماركسية وأسباب ذلك ووجود الإخوان المسلمين على رأس السلطة حيث إعتبره البعض ثورة مضادة وهل حصدت الثورات الثمار النهائية؟ كما أن وليد الرجيب بوصفه كاتبا ماركسيا أكَّدَ في  مقدمة الكتاب، ضرورة انفتاح العقل الماركسي على التطورات المعاصرة تحت لواء المنطق، بل والتعلم بسرعة منها، محذرا من الوقوع في فخ الجمود النصي للنظريات.

يتألف الكتاب من أربعة فصول رئيسية هي على التوالي: علاقة الرأسمالية بالتطور التكنولوجي، تأثير التطور الرأسمالي التكنولوجي في بنية الطبقة العاملة، العولمة "الأممية الرأسمالية"، الثورات العربية بداية تاريخ عربي جديد. إن  أهمية هذا الكتاب تنبع من كون المؤلف ليس من دعاة الرأسمالية ولا الماركسية، وإنما دارس وباحث تهمه  المفاهيم والشعارات، بقدر ما ينشغل الأحداث والمجريات، ويتعامل تعاملاً نقدياً مع المصطلحات، بقدر ما ينخرط بنقد الحداثة بمختلف عناوينها، ويرى واقع الأزمات والإخفاقات، في ضوء التحديات والمتغيرات الجديدة.

إن أهم المسائل الشائكة التي تحدث عنها الكاتب هي المعايير الأخلاقية للرأسمالية وأن الهمُّ الأول والأخير للرأسمالية هو تحقيق الأرباح ولو على حساب صحة وحياة الآخرين. إن سلعة الدواء أصبحت من أهم أنواع السلع التجارية إن لم يكن أهمها على الإطلاق حيث تطورت الأدوية الطبية وإنتشرت الخدمات الطبية ولكن لمن يملك ثمنها. بينما يتم إلقاء مرضى خارج المستشفيات في الولايات المتحدة لعدم قدرتهم على دفع تكاليف العلاج أو عدم شمولهم بالتأمين الطبي, إلا أن وسائل الإعلام الأمريكية تقوم وباستمرار على توجيه الانتقادات الى دول مثل كندا والسويد تصف فيها حكومات تلك الدول بأنها شيوعية واشتراكية بسبب نظام التأمين الطبي الشامل الممول من دافعي الضرائب. ظروف عمل قاسية في المصانع حيث تزداد أرباح الرأسماليين بينما يعاني العمال من الجوع والمرض يكادون لايجدون إلا مايسد رمقهم على الرغم من العمل الشاق. هناك الكثير من الاكتشافات في مجال الأدوية التي من الممكن أن تعالج الأمراض المستعصية حيث نسمع عن ذلك في وسائل الإعلام ولكن الفكرة لاتتحول الى تطبيق عملي لأن الشركات تقوم بشراء برائات الإختراع و وأد الفكرة في مهدها حتى لا تهدد الأرباح التي تحصل عليها تلك الشركات من الاستمرار في بيع الأدوية القديمة التي تعالج عوارض المرض وليس المرض نفسه.

ولكن جشع الرأسمالية لا يتوقف على قضايا الصحة والأدوية بل يتعداها الى التكنولوجيا ومنتجاتها. صناعة السيارات والأجهزة الكهربائية والإلكترونية بشكل عام هي مثال على ذلك. هياكل السيارات بدأت تصبح أقل متانة حيث يتم التقليل من مستوى الجودة لصالح السعر المنخفض. إطارات السيارات الغير قابلة للتلف أو الثقب هي مثال آخر في مجال صناعة السيارات حيث تمتنع شركات الإطارات المتحالفة مع شركات صناعة السيارات من طرح تلك المنتجات في الأسواق على الرغم من وجود الفكرة التي من الممكن تطبيقها وتحويلها الى أمر واقع ولكن ذلك يعني خسائر هائلة في الأرباح التي تحققها تلك الشركات. شركات المقاولات تقوم ببناء الطرق والجسور من مواد سريعة التلف حتى تكسب أموالا من صيانتها أو حتى من أعادة بنائها. ويذكر الكاتب أنه خلال طفولته في خمسينيات القرن العشرين, تم إغراق سوق السيارات في الكويت بسيارات الجيب, الرانجلر أو الويلز, والتي لم تكن إلا من مخلفات الحرب العالمية الثانية أو من مخلفات إنتاج المصانع الحربية التي لم يتم إستخدامها. الغرب يبيعنا مخلفات الإنتاج لديه والتي تتقادم ويصبح إستخدامها غير عملي أو مدر للأرباح.

الكتاب وهو من منشورات دار الفارابي اللبنانية يحتوي على الكثير من النقد للرأسمالية وحتى للماركسية التي يؤمن بها الكاتب وأنها النموذج الذي من الممكن من خلاله تحقيق الرخاء للبشرية. لقد كنت سعيدا عند قراءتي للكتاب والذي أضاف الى معلوماتي الكثير وكشف لي جوانب مظلمة للرأسمالية كنت أجهلها في السابق. أنصح بشراء الكتاب فهو إضافة ممتازة لأي مكتبة يسعى مالكها الى إضافة أفضل إصدارات المؤلفين العرب الذين تعتبر أسمائهم غير معروفة للقارئ العربي العادي خصوصا ممن يتابعون إصدارات كتاب ومفكرين غربيين مثل الأمريكي نعوم تشومسكي, كتاب وليد الرجيب يجمل من الأفكار ماتجعله على قدم المساواة للكاتب الأمريكي اليساري والمفكر والفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

رابط الموضوع على مدونة علوم وثقافة ومعرفة

الرجاء التكرم الضغط على رابط الموضوع بعد الإنتهاء من قرائته لتسجيل زيارة للمدونة

النهاية

GULAG

آن إليزابيث أبلباوم صحفية ومؤرخة أمريكية من أصل بولندي حاصلة على جائزة البوليتزر وهي أستاذة زائرة في كلية لندن للاقتصاد. عملت آن في أشهر الصحف الأمريكية منها صحيفة الإيكونوميست وصحيفة الواشنطن بوست. كتاب "غولاغ" هو أحد مؤلفات الكاتبة الأكثر شهرة وانتشارا حيث أنها فازت بجائزة البوليتزر سنة ٢٠٠٤ عن الكتاب.

الغولاغ عبارة عن مجموعة من معسكرات العمل الجماعي في منطقة سيبيريا الروسية ظهرت للوجود سنة ١٩١٨, أي بعد سنة واحدة من الثورة البلشفية التي قادها فلاديمير لينين. تولى إدارة الغولاغ في بداياته جهاز البوليس السري(GPU) ثم بعد ذلك جهاز الأمن الداخلي(NKVD). وفي آخر أيامه حتى إنهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفياتي, تولى جهاز الشؤون الداخلية(MVD) مسؤولية الإشراف وإدارة نظام معسكرات الغولاغ.

تذكر الكاتبة في مقدمة الكتاب أن جذور معسكرات العمل السيبيرية تعود الى فترة حكم روسيا القيصرية خلال القرن السابع عشر فقد كان يتم تنظيم مجموعات من السجناء تكلف بأعمال السخرة في مناطق سيبيريا الباردة حيث استمر ذلك حتى بدايات القرن العشرين والثورة البلشفية. وخلال بداية حكم لينين, توسعت معسكرات الغولاغ من ناحية العدد والحجم حتى وصل عددها سنة ١٩٢١ الى أربعة وثمانين معسكرا تنتشر في أربعة وثلاثين مقاطعة روسية. ومع بداية فترة حكم ستالين سنة ١٩٢٩, شهدت نظام معسكرات الغولاغ تغيرا جذريا حيث تم اعتباره حيويا من أجل نجاح خطة ستالين في تحويل روسيا الى دولة صناعية. وإستمرت معسكرات الغولاغ في التوسع خصوصا خلال فترة الحرب العالمية الثانية حيث تم تجنيد عدد كبير من المواطنين الروس في القوات المسلحة السوفياتية مما أدى الى فراغ في المؤسسات والمصانع السوفياتية خصوصا تلك المعنية بالإنتاج الحربي وتم الإستعانة بسجناء الغولاغ من أجل ملء ذلك الفراغ.

يقدِّر المؤرخون عدد المعتقلين في معسكرات الغولاغ بين ١٤-٤٠ مليون شخص توفي منهم حوالي ٥ ملايين. المعتقلون في الغولاغ عبارة عن خليط من السجناء السياسيين والمجرمين الجنائيين وأسرى الحرب العالمية الثانية خصوصا من الجنود الألمان ودول المحور وأشخاص عاديون ألقى بهم حظهم العاثر في ذلك المكان. تعرض السجناء في معسكرات الغولاغ الى العمل الشاق حتى الإنهاك في أعمال إنشائية مثل حفر قناة البحر الأبيض(بيلومور) والتي تصل بين البحر الأبيض وبحر البلطيق مرورا ببحيرة أونيجا ويبلغ طولها ٢٢٧كم(١٤١ ميل) والتي عمل في إنشائها أكثر من ١٠٠ ألف سجين توفي عدد كبير منهم نتيجة الإجهاد, المرض وقلة التغذية.

يعتبر الغولاغ من قبل الكثير من المؤرخين خصوصا الروس حقبة سوداء في تاريخ الإتحاد السوفياتي لكنه ليس سابقة يختص بها الاتحاد السوفياتي حيث كان لدى الدول الأوروبية الأخرى نظام الغولاغ الخاص بها خصوصا في مستعمراتها في إفريقيا وآسيا ولكن وسائل الإعلام في دول الغرب تستغل ذلك لأهداف سياسية لا تخفى على أحد. فيلم بابيلون(Papillon) والذي تم إنتاجه سنة ٢٠١٧ يروي قصة هروب ناجحة نفذها سنة ١٩٤١ سجين فرنسي يدعى هنري شاريير(Henri Charrière) من معسكر عمل جماعي مخصص للسجناء في إحدى جزر مستعمرة غويانا الفرنسية التي عرفت بإسم جزيرة الشيطان(Devil's Island). ولقد كانت عملية الفرار التي نفذها هنري شاريير بمساعدة سجين أخر يدعى Louis Dega(*). ولقد تم تمثيل نظام معسكرات العمل الإجباري في الغولاغ من خلال عدد من الأعمال السينمائية والكتب ولعل أشهرها هو فيلم طريق العودة(The Way Back) الذي قام ببطولته أربعة من أشهر الممثلين في هوليود وهم: جيم ستارجس, إد هاريس, سيرشا رونان وكولين فاريل.

كتاب غولاغ(Gulag) هو أحد أهم الكتب في مجاله والتي من الممكن أن تعطي القارئ فكرة جيدة عن حقبة زمنية مهمة في التاريخ الإنساني, فجوة ملئتها المؤلفة آن أبلباوم بنجاح رغم مايقال عن الحيادية بوصف الكاتية من أصول بولندية ولكنه يبقى عملا مهما ومؤثرا تلقى تقديرات إيجابية من أشهر الصحف ووسائل الإعلام العالمية مثل النيويورك تايمز, النيوزويك, لوس أنجلوس تايمز, الإيكونوميست, النيويوركر, الفاينانشيال تايمز, الصنداي تايمز والديلي تلغراف التي وصفت الكتاب بأنه مهم, إنجاز ضخم مليء بالتفاصيل الدقيقة والمهمة.

فيلم(*) بابيلون ينتمي الى فئة دراما السيرة الذاتية(biographical drama) أحداثه مستمدة من تفاصيل واقعية عايشها بطل الرواية أو كاتبها. ولكن بعض الشخصيات في أفلام السيرة الذاتية قد يستخدم الكاتب أسماء مستعارة مثل شخصية لويس ديغا(Louis Dega) التي قام بأدائها الممثل الأمريكي من أصل مصري رامي مالك التي لم يجد المؤرخون مرجعا لها رغم أنه هناك فضيحة احتيال لها علاقة بسندات حكومية حصلت بالفعل سنة  ١٩٢٥ حيث قبض على مجموعة أشخاص منهم المتهم الرئيسي فرناند رويير(Fernand Royer) ولكن إسم لويس ديغا لم يكن من بينهم ولا يوجد شخص بذلك الإسم تم اتهامه بقضية مماثلة في فرنسا.

مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية

رابط الموضوع على مدونة مائة كاتب وكتاب

الرجاء التكرم الضغط على رابط الموضوع بعد الإنتهاء من قرائته لتسجيل زيارة للمدونة

النهاية




 





 



الحرب عبارة عن خدعة(War is A Racket)

كان سميدلي دارلنجتون بتلر(١٨٨١-١٩٤٠) أكثر ضباط الجيش الأمريكي حصولا على الأوسمة بلغ عددها ١٦ وساما خمسة منها للأعمال البطولية وكان واحدا من ...