أنتوني بيفور مؤرخ وباحث تاريخي بريطاني قام بتأليف عدد من الكتب التي حققت شعبية ومبيعات مرتفعة وأكسبته سمعة دولية وإشادة من كبريات الصحف العالمية مثل صحيفة نيويورك تايمز, وول ستريت جورنال, ديلي تيلغراف, صنداي تلغراف, الغارديان وتورنتو غلوب أند ميل. أحد أهم وأبرز تلك الكتب التي قام أنتوني بيفور بتأليفها هو كتابنا الذي نتحدث عنه, ستالينغراد: المعركة الفاصلة(١٩٤٢-١٩٤٣) حيث يتحدث الكاتب عن أحد أهم معارك الجبهة الشرقية إن لم تكن أهمها على الإطلاق, حصار مدينة ستالينغراد من قبل القوات الألمانية وتحطيم أسطورة الجيش الألماني السادس الذي ينقل عن أدولف هتلر قوله أنه يستطيع بواسطته غزو السماء, فقد تقلص من ٢٥٠ ألف جندي إلى ٩١ ألف جندي وقعوا في الأسر عاد منهم إلى ألمانيا ٦٠٠٠ جندي تقريبا. خلال معارك ستالينغراد, ظهرت أساطير من الصمود لأشخاص حفروا أسمائهم في التاريخ, المدافعين عن منزل بافلوف على أطراف القسم الصناعي من المدينة, القناصة النساء وأسطورة القناصة فاسيلي زايتسيف وغيرها الكثير من أساطير البطولة والصمود.
تحدثنا كتب التاريخ أن إنزال النورماندي سنة ١٩٤٤ كان هو العملية العسكرية الأهم التي حسمت مصير الحرب العالمية الثانية وكتبت نهاية ألمانيا النازية. ولكن على أرض الواقع, العمليات العسكرية على الجبهة الشرقية والتي بدأت مع انطلاق العملية بارباروسا(١٩٤١) هي الأهم في تاريخ الحرب وهي التي كان لها الفضل في ترجيح كفة قوات الحلفاء على قوات المحور. فقد شارك أكثر من ٤.٥ مليون جندي من قوات المحور في غزو الاتحاد السوفياتي حيث كانت خسائر الجيش الأحمر هائلة بكل المعايير: أكثر من ٥ ملايين جندي وقعوا ضحية الأسر ومات معظمهم نتيجة الجوع, ٢٦ مليونا من المدنيين سقطوا ضحايا المعارك والبرد ونقص الإمدادات, تدمير أكثر من ١٧٠٠ بلدة و ٧٠ ألف قرية, مدينة ستالينغراد تمت تسويتها بالأرض بسبب القصف الجوي والمعارك العنيفة من منزل الى منزل. أوامر القائد الأعلى للقوات المسلحة السوفياتية كانت واضحة:"ولا خطوة للوراء," الإعدام الميداني كانت عقوبة كل من يخالف الأوامر. الخسائر الألمانية كانت هائلة, أكثر من مليون قتيل وتدمير الجيش الألماني السادس وأسر قائده الجنرال فريدريك باولوس.
لقد دفع الغرور بهتلر للوقوع في اسوأ هزيمة عسكرية في تاريخ القوات النازية. كما أن الثقة الزائدة وتجاهل تحذيرات كبار القادة السوفيات أدت بجوزيف ستالين الى تسهيل مهمة القوات الألمانية في بداية العملية بارباروسا حيث مضى أكثر من نصف يوم على القتال ومازال ستالين مترددا في إعلان قراره بالتعبئة ومواجهة تقدم القوات الألمانية. حتى أن ستالين وبعد أن أدرك حقيقة نوايا القوات الألمانية, فقد قرر استعادة السلام حتى لو كان الثمن مهينا وهو التنازل لهتلر عن أوكرانيا وأجزاء كبيرة من بيلاروسيا وجمهوريات البلطيق الثلاثة(استونيا, ليتوانيا ولاتفيا). وقد قام ستالين باستدعاء السفير البلغاري إيفان ستامينوف وطلب منه التوسط لدى هتلر ولكن رفض وأجاب ستالين:"حتى لو تراجعتم إلى جبال الأورال, فسوف تكسبون الحرب في النهاية." ولقد صدق حدس السفير البلغاري حيث إنتصر الجيش الأحمر وتمكن من هزيمة القوات الألمانية في جبهة ستالينغراد, موسكو, أوكرانيا وتقدم حتى إحتل العاصمة الألمانية ورفع علم الاتحاد السوفياتي على مبنى الرايخستاج.
إن العوامل التي أدت الى هزيمة القوات الألمانية في حملتها العسكرية على الإتحاد السوفياتي هي متعدِّدة ولا يمكن حصرها بشتاء الإتحاد السوفياتي القارس. القوات الألمانية كانت ضحية قرارات خاطئة اتخذها هتلر على الرغم من معارضة كبار قادته. أول تلك القرارات تأخير الحملة بارباروسا شهرا كاملا عن موعدها الأصلي بسبب تقارير وصلت اليه عن قوات سوفيتية تستعد لغزو ألمانيا من جهة الحدود مع دول البلقان. إن ذلك التأجيل أدى الى حلول فصل الشتاء والحملة الألمانية في ذروتها بدون إستعدادات ملائمة مع نقص في الوقود والإمدادات خصوصا ملابس الشتاء. ثاني تلك القرارات هو التعديل على خطة الهجوم التي كانت تتضمن محورين إثنين:, المحور الأول, جيوش الشمال بقيادة المارشال فون ليب تتقدم نحو مدينة ستالينغراد عبر بيلاروسيا ودول البلطيق. المحور الثاني, جيوش الوسط بقيادة المارشال فون بوك تتقدم بهدف السيطرة على موسكو. أما المحور الثالث فهو التعديل على الخطة الأصلية الذي فرضه هتلر على قادته على الرغم من معارضتهم وملخصه الهجوم على أوكرانيا للسيطرة على ثرواتها الزراعية وتطوير الهجوم نحو حقول النفط في القوقاز لأهميتها الحيوية للعمليات العسكرية الألمانية. قوات المحور الثالث تم اقتطاعها من مجموعة جيش الوسط وتم تدعيمها بجيش هنغاري صغير وجيشين رومانيين وأطلق عليها مجموعة جيش الوسط ووضعت بقيادة المارشال فون روند شتادت. ثالث تلك القرارات الخاطئة هو المعاملة السيئة التي تلقاها المواطنون الروس والاوكرانيين الذين رحبوا في بداية الحملة بارباروسا بالقوات الألمانية ونثروا فوق رؤوس الجنود الألمان الأرز وعاملوهم على أنهم محررين من ظلم ستالين والحزب الشيوعي وليس محتلين. ولكن المعاملة السيئة من القوات النازية جعلتهم يقاتلون الى جانب قوات الجيش الأحمر وتشكيل مجموعات صغيرة تهاجم مؤخرة القوات الألمانية وخطوط إمدادها.
مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية
النهاية
No comments:
Post a Comment