أثار كتاب "إرث من الرماد" الذي ينتمي إلى الصحافة الاستقصائية حين صدوره سنة ٢٠٠٧ ومازال صدمة للمسؤولين في الولايات المتحدة والعالم بسبب طبيعة المعلومات التي بين صفحاته والتي يمكن اعتبارها الجزء الظاهر فوق الماء من جبل الجليد. الكاتب والمراسل الصحفي الأمريكي تيم واينر نجح في كتابة أول عمل تاريخي موثَّق عن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية(سي آي إيه) وذلك اعتمادا على 50 ألف وثيقة رفعت السرية عنها ومقابلات شخصية مع عشرة من رؤساء الوكالة السابق وعدد كبير من المسؤولين الحكوميين الأمريكيين. تيم واينر هو أحد الصحفيين الفائزين بجائزة بوليتزر العريقة عن فئة الصحافة الوطنية عمل مراسلا في صحيفة نيويورك تايمز وقام بزيارة أفغانستان و ١٥ بلدا أخر من أجل جمع المادة الصحفية لكتابه.
إنَّ وكالة المخابرات المركزية لأمريكية قد نجحت على مدى ستين عاما في إخفاء فشلها وأخطائها عبر ستار من السرية وبذريعة الحفاظ على الأمن القومي. منذ تأسيسها سنة ١٩٤٥ انطلاقا من مكتب الخدمات الإستراتيجية(OSS) وحتى تاريخ صدور الكتاب سنة ٢٠٠٧, فقد تعاقب على إدارة تلك المؤسسة عدة مسؤولين لم يتمكنوا من ضبط أدائها وأداء مهمتها التي أنشئت من أجلها وهي معرفة ماذا يجري في العالم. أحد أكبر إخفاقات المؤسسة هو عدم قدرتها على التعامل مع أحداث ٩/١١ والمعلومات المضللة عن أسلحة الدمار الشامل في العراق مما أدى في النهاية إلى تراجع دورها وتهميشها ونقل الكثير من صلاحياتها الى جهات حكومية أخرى مثل الجيش الأمريكي. كما ساهم انتشار الخدمات والشركات الأمنية الخاصة في المزيد من تضائل دور الوكالة ومهمتها الأساسية وهي جميع المعلومات وتقديمها الى صنَّع القرار في البيت الأبيض والإدارة الأمريكية.
هناك الكثير من المعلومات في صفحات الكتاب عن تاريخ النجاح والفشل في تاريخ السي آي إيه خصوصا في أمريكا اللاتينية التي تعتبر حديقة الولايات المتحدة الخلفية وفي إيران حيث عملت إدارة الرئيس دوايت أيزنهاور على تدبير الانقلابات ضد الرئيس الغواتيمالي جاكوبو أربينز ورئيس وزراء إيران محمد مصدق. بينما فشلت وكالة المخابرات الأمريكية في تحقيق أي اختراقات أمنية تذكر في الإتحاد السوفياتي, الصين,كوريا الشمالية وفيتنام. ولكن الملفت للنظر ما ذكره أن الإدارة الأمريكية كانت تتآمر على سوريا وأنها سنة 1955 حاولت بالتعاون مع المخابرات البريطانية عبر دفع مبالغ نقدية وصلت الى نصف مليون جنيه إسترليني أن تكسب ولاء عدد من ضباط الجيش ذوي الاتجاه السياسي من أجل تدبير محاولة انقلاب وإبعاد سوريا عن الإتحاد السوفياتي و المحور الاشتراكي ولكن أزمة قناة السويس ومحاولة العدوان الثلاثي ضد مصر أدت إلى فشل الإنقلاب وزيادة الوضع تعقيدا.
إن الأحداث التي رواها الكاتب تعيد الى الأذهان محاولة الإدارة الأمريكية تلفيق تهمة استخدام الاسلحة الكيميائية الى القوات الحكومية السورية في أكثر من مناسبة وذلك عبر قيام منظمة إرهابية تعرف بإسم القبعات البيض التي تتبع جبهة النصرة(تنظيم القاعدة في بلاد الشام) تصوير تمثيليات إستخدام الأسلحة الكيميائية والتي يكون ضحايا حصريا الأطفال والذين يقوم أفراد المعارضة السورية باختطافهم من مناطق سيطرتهم.
الكتاب يركز على أمور داخلية تخص وكالة السي آي إيه ويخلو من التفاصيل حول عملياتها في منطقة الشرق الأوسط على سبيل المثال رغم البحث الجيد وعدد صفحاته الذي يزيد في النسخة المغلفة عن 700 صفحة وتلك أحد سلبياته. ولكن على الرغم من ذلك, فقد أشادت صحف ووسائل إعلام أمريكية بالكتاب ومؤلفه الحائز سابقا على أحد أرفع جوائز العمل الصحفي.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية
النهاية
No comments:
Post a Comment