يعتبر بول كروغمان أحد أكثر الإقتصاديين الأمريكيين شهرة خصوصا عبر حيازته جائزة نوبل في الاقتصاد نتيجة مساهمته في شرح أنماط التجارة الدولية والتوزيع الجغرافي للنشاط الإقتصادي. بول كروغمان كاتب عمود في صحيفة نيويورك تايمز, أحد أكثر الصحف الأمريكية شعبية. كما أن صحفا عربية مثل الإتحاد والبيان في الإمارات وصحيفة الشرق الأوسط اللندنية تترجم بإنتظام بعض المواضيع التي ينشرها كروغمان. تاريخ بول كروغمان المهني يتجاوز الكتابة والتأليف الى التدريس في أحد أشهر الجامعات والمعاهد الأمريكية مثل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة برينستون التي تقاعد منها سنة ٢٠١٥. بول كروغمان حاصل على لقب أستاذ فخري من جامعة برينستون وأستاذ المئوية في كلية لندن للاقتصاد ورئيس سابق للرابطة الإقتصادية الشرقية. يعتبر بول كروغمان أحد أكثر الاقتصاديين نفوذا في الولايات المتحدة والعالم.
البطالة هي أحد أهم نتائج الكساد الاقتصادي الذي تعاني منه الدول نتيجة الأزمات الاقتصادية حيث يعتبر مشكلة إجتماعية وإقتصادية مزمنة. انطلقت الأزمة الاقتصادية سنة ٢٠٠٧ من الولايات المتحدة وتحولت بسرعة قياسية الى أزمة اقتصادية عالمية عرفت بإسم أزمة الرهون العقارية منخفضة الجودة(Subprime Mortgage Loans). أدت تلك الأزمة الى تراجع في حجم التجارة العالمية وانخفاض أسعار السلع والمواد الأولية خصوصا النفط والمعادن والحاصلات الزراعية الى مستويات غير مسبوقة. في الولايات المتحدة, فقد ملايين الأمريكيين منازلهم ووظائفهم وانهارت أسعار العقارات وبدأت أعراض الكساد بالظهور سنة ٢٠٠٨ وبدأت تحليلات الخبراء والمختصين تقارن أزمة الرهون العقارية منخفضة الجودة سنة ٢٠٠٧ بأزمة الكساد العظيم ١٩٢٩-١٩٣٣ حيث وصف الخبراء أحداث سنة ٢٠٠٧ بأنها أكبر الأزمات الإقتصادية حتى تاريخه. تلك الأزمة أطاحت بمؤسسات مالية, بنوك, شركات وتطَّلبَ الأمر تدخلا من عدة بنوك مركزية وصندوق النقد والبنك الدولي منعا لإنهيار الإقتصاد العالمي.
إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما تعاملت مع الموضوع بإتخاذ خطوة مهمة تمثَّلت في ضخ مئات المليارات من الدولارات عبر حزمة إنقاذ(TARP - Troubled Asset Relief Program) والتي بلغت قيمتها ٧٠٠ مليار دولار وهي خطوة أثنى عليها بول كروغمان ونظر اليها بإيجابية, ولكن من وجهة نظره فقد كانت غير كافية. كان بول كروغمان يرى أن حجم المبالغ التي تم تخصيصها في حزمة الإنفاق أقل من المبالغ المطلوبة من أجل إحداث تأثير إيجابي على المدى الطويل. عمليات التدخل الحكومي في الاقتصاد تم إيقافها سنة ٢٠٠٩ بعد ظهور بداية مؤشرات التعافي وبروز أصوات في المعسكر الجمهوري محذرة من زيادة عجز الموازنة. ولكن وجهة نظر الكاتب أن مستوى العجز أمر تم المبالغة في التحذير منه لأن الهدف من حزمة الإنقاذ الإقتصادي وعمليات التدخل الحكومي هو خفض نسبة البطالة التي نجمت عن عجز الشركات والقطاع الخاص عن التوظيف وذلك عبر توفير وظائف للباحثين عن العمل من خلال زيادة الإنفاق الحكومي في مجالات مثل مشاريع البنية التحتية.
ويقدم بول كروغمان ثلاثة اقتراحات في سبيل الخروج من المأزق الاقتصادي الحالي سوف أذكرها باختصار: الاقتراح الأول هو إنفاق ٣٠٠ مليار دولار سنويا يتم تخصيصها للحكومات المحلية والبلديات التي وجدت نفسها مضطرة الى تسريح عشرات الآلاف من الموظفين خصوصا في قطاع التعليم والخدمات العامة. الاقتراح الثاني هو خفض سعر الفائدة الى الصفر من دون الأخذ في عين الإعتبار شيح التضخم بل يدعو الى العمل على رفع التضخم مستوى التضخم من 2% الى 4% من أجل تحفيز الاستثمار والإنفاق. الاقتراح الثالث هو تقديم المساعدة الى أصحاب الرهون العقارية من أجل إعادة جدولة ديونهم مع مراعاة أسعار الفائدة المنخفضة وضخ أموال فيدرالية للمؤسسات العقارية من أجل جعل ذلك ممكنا.
ولدي تعقيب على الاقتراح الثالث وهو أن إعادة جدولة ديون جميع المقترضين دون تمييز سوف تشجع المزيد من الاقتراض الغير مسؤول. هناك فرق بين شخص لديه رهن عقاري بهدف إمتلاك منزل للسكن وبين شخص لديه أربعة أو خمسة رهون بهدف الإستثمار وإعادة التمويل. إن خطة الإنقاذ الحكومية خلال أزمة الكساد الكبير(١٩٢٩-١٩٣٣) تضمنت ضمانات قدمتها الحكومة مقابل الرهون العقارية لأصحاب المنازل في خطوة أثبتت نجاحها بل وتحقيق عائد إيجابي نتيجة إنفاق تلك الأموال الحكومية. إن مبلغ ٧٠٠ مليار دولار كان من الممكن أن ينقذ أكثر من ٢.٥ مليون رهن عقاري لصالح أسر سوف يلقى بها في الشارع في حال إعلان إفلاسهم وعجزهم عن دفع الأقساط وذلك بمعدل وسطي ٢٥٠ ألف دولار لكل رهن عقاري ومستفيدين يبلغ عددهم أكثر من ١٤ مليون مواطن أمريكي.
كتاب بول كروغمان "أنهوا هذا الكساد الآن" من أفضل الكتب التي قرأتها في مجال تخصص الكاتب خصوصا بسبب تاريخه المهني العريق وحصوله على جائزة نوبل في الاقتصاد حيث يوصف بأنه أحد أكثر الاقتصاديين تأثيرا في العالم. أنصح بشراء الكتاب وقرائته أو من الممكن لمن يرغب في نسخة الكترونية أن يجدها متوفرة على موقع مؤسسة هنداوي للنشر.
مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية
النهاية
No comments:
Post a Comment