جواهر لال نهرو ليس شخصية عادية في بلده الهند فهو ينتمي لأحد أعرق الأسر الهندية التي ناضلت ضد الإحتلال البريطاني وأحد زعماء حركة الاستقلال وأول رئيس وزراء للهند بعد استقلالها وأحد مؤسسي حركة عدم الانحياز العالمية سنة ١٩٦١.
لم يقصد جواهر لال نهرو من كتابه أن يروي للقارئ تاريخ العالم بتفاصيله التي لن تكفي مئات الكتب لروايتها, بل إن كتاب "لمحات من تاريخ العالم" عبارة عن مجموعة من الرسائل التي كان جواهر لال نهرو يرسلها الى ابنته أنديرا أثناء تنقله من سجن الى سجن خلال الفترة بين ١٩٣٠-١٩٣٣. قام نهرو بإختيار مجموعة من الحوادث التاريخية الهامة وقام برواية تفاصيلها بأسلوب قصصي ممتع. جواهر لال نهرو نجح في تأليف كتابه في ظروف صعبة حيث كان سجينا بسبب نضاله ضد الاستعمار البريطاني لبلده الهند حيث لا تتوفر السجون على مكتبات ويعتبر الحصول على أدوات الكتابة و الاحتفاظ بأوراق الملاحظات مهمة صعبة.
يحكي جواهر لال نهرو في كتابه حكاية الإستعمار الإسباني والبرتغالي جزر الملايو والهند في سعيهم للبحث عن طريق بحري يكسر احتكار العرب لطريق التجارة التقليدية حيث نجح البرتغالي فاسكو دي جاما باكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح مما أدى الى تغيير جوهري وجذري في الخارطة السياسية والتجارية للعالم القديم وفتح باب حركة الكشوفات الجغرافية والاستعمارية في الهند وإفريقيا. كما استعرض في كتابه تاريخ الإسلام والفتوحات الإسلامية وعصر الخلافة العباسية وكيف أن عرب الصحراء المعروفين بالعزة والأنفة والشعور المرهف والمولعين بغزو بعضهم البعض قد قبلوا الإسلام ونجحوا في نشره في آسيا وأفريقيا وأوروبا حتى أنهم وصلوا الى إسبانيا وحكموها ٨٠٠ سنة حيث وصلت جيوش المسلمين الى مشارف باريس وقاتلت قوات التحالف المسيحي بقيادة شارلمان في معركة بلاط الشهداء التي خسرها المسلمون بعد قتال مرير.
ومن الرسائل المتميزة التي يحتويها الكتاب, الرسالة التي يحكي فيها جواهر لال نهرو لإبنته عن الثورة في إنجلترا حيث قطع الثوار برئاسة كرومويل رأس الملك شارل الأول وأعلنوا الجمهورية في إنجلترا. وقد حكم كرومويل إنجلترا بقبضة حديدية حيث هزمت في عهده الأساطيل الإنجليزية نظيرتها الهولندية والفرنسية والإسبانية. ولكن كرومويل توفي سنة ١٦٥٨ وسقطت الجمهورية بعدها بعامين وعاد شارل الثاني إبن شارل الأول من المهجر واستقبل بحفاوة وتم تتويجه ملكا على إنجلترا. كما روى جواهر لال نهرو في أحد رسائل الكتاب حكاية حرب الاستقلال الأمريكية وكيف أن محاولة إنجلترا والملك جورج الثالث حاولوا فرض ضرائب على المستعمرات الأمريكية الثلاثة عشرة وإجبار المقيمين هناك على شراء بضائع شركة الهند الشرقية خصوصا الشاي الذي كان المشروب المفضل هناك. المستوطنون في بداية الثورة, لم يرغبوا في الإنفصال عن إنجلترا ولم يطمعوا في أكثر من الحكم الذاتي ولكن الأمور تطورت في مرحلة لاحقة بسبب تعنت الحكومة الإنجليزية مما أدى الى تحقيق الثوار إنتصارات إثر تلقيهم الدعم من فرنسا وإسبانيا وإعلانهم الإستقلال سنة ١٧٧٦.
ولم يكتفي جواهر لال نهرو بتناول الأحداث التاريخية الهامة والمفصلية بل كتب لإبنته وهو شخص موسوعي وعميق الإطلاع والثقافة عن الإقتصاد وعن أزمة الكساد العظيم ١٩٢٩-١٩٣٣ التي كانت أول أزمة إقتصادية عالمية والأضخم حتى تاريخه التي يمر بها العالم حيث خسر ملايين الأشخاص وظائفهم ومنازلهم وأعلنت مئات البنوك والمؤسسات المالية إفلاسها وتقلَّص حجم التجارة العالمية. اختلف الكثيرون حول أسباب أزمة الكساد العظيم فمنهم من ذكر أنها مخطط تم التحضير له مسبقا منذ سنة ١٩٢٥ وأن بيوتات المال العالمية والمرابين العالميين هم المسؤولين عنها, بينما كان رأي آخرون أن تلك الأزمة أمر طبيعي نتيجة دوران رأس المال صعودا أو هبوطا. ولكن جواهر لال نهرو كان له رأي مختلف أن السبب هو التوسع في الإنتاج في الوقت نفسه العجز عن توزيع ذلك الإنتاج بطريقة عادلة ومنصفة تضمن الرخاء العالمي. العالم لم يعرف نقصا في الإنتاج خلال تلك الأزمة خصوصا المحاصيل الزراعية بدليل إتلاف كميات كبيرة منها خصوصا البن والقمح والقطن والشاي وذلك في محاولة يائسة للحفاظ على أسعار تلك المحاصيل بينما تنتشر المجاعة في أنحاء من العالم حيث لا يملك الجائعون المال ليقوموا بشراء ما يسد رمقهم.
كتاب جواهر لال نهرو "لمحات من تاريخ العالم" من أفضل الكتب التي قرأتها خصوصا أسلوب الكتابة الذي يتميز به أحد أكثر الشخصيات العامة في الهند شهرة وشرفا في النسب. الكتاب متوفر باللغة الإنجليزية والعربية من ترجمة أحمد بهاء الدين الذي ترجم ٦٢ رسالة من رسائل الكتاب وهي متعلقة بالأحداث التي يهم القارئ العربي أن يعرف عنها. الكتاب لا غنى عنه لأي شخص مهتم بالاطلاع على تاريخ العالم وأحداثه الهامة.
مع تمنياتي للجميع دوام الصحة والعافية
النهاية
No comments:
Post a Comment